منتديات التربية و التعليم الاعدادي.

من اجل تربية راشدة و تعليم مثمر
 
الرئيسيةمكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قصة أماني والقلوب المحنّطة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بوزاكو مصطفى السوسي



عدد الرسائل : 335
العمر : 25
تاريخ التسجيل : 18/06/2008

مُساهمةموضوع: قصة أماني والقلوب المحنّطة   الخميس يوليو 17, 2008 8:49 am

لا يهم أن تعرفوا من أكون،ولِمَ قابعة خلف ربقة القضبان..هل ترون هذه الجروح الغائرة في وجهي ؟ هي من أبكت أمي بكاءا مريرا؛ فنثرتْ تألمي على حزنها وأنا ماثلة أمام القضاة في المحكمة بعد 3 أشهر من اعتقالي..

شهور سخيّة شهدتْ مصرع المحققون أمام إصراري. أما شقيقي الذي يكبرني بسنة (خالد) لاحظ بريقا ساطعا في عيني حين دافعتُ عن قضيتنا أمام القاضي الصهيوني :" أنا بريئة وأنتم المجرمون،ما فعلتُه كان حقا شرعيا،وكما قتلتُ 10 من اليهود وأنا طليقة سأقتُلكم وأنا أسيرة"..

فهدّأ من حزن أمي الثائر ،وزاد هدوءَه حين عادت إلى البيت وأخذت تتحسّس زهوري..كُتُبي..وسادتي التي جرّعتُها آهاتي وأمنياتي..هكذا كان يقول خالد بصوت عالٍ كلما رآني في المحكمة..ومازالت أمي تفتّـشُ في حقيبتي الجامعية يوما بعد يوم؛علّها تجدُ أثرا تُصدّقُ به قول القضاة عني "مجـــرمة!" فلا تجدُ إلا مصحفا صغيرا شارتُه وضعت في سورة الأنفال،قلما و دفترا اعتبرتْ ما كُتب فيه طلاسم. كنتُ أدوّنُ فيه تاريخ كرامتنا من أول عملية استشهادية ومنفّذُها وتاريخ وقوعها إلى آخر عملية جهادية قامت بها "أماني". لم تعِ أمي أن اسمي مدوّنا في آخر صفحة،ولم تعِ ما كُتب بجانب اسمي "قلبُها محنّط..نتمنى لها السداد والتوفيق".كانت الصفحة الوحيدة الخالية من كل المعالم سوى هذه الجملة التي استغرب منها أخي أيضا واعتبرها هو الآخر أُحجية لن يفكّ رموزها إلا عجاج الطحين،والخراب الذي حلّ بالمحل.

لم يكن أخي عالما بما أفعلّه؛لما يتطلب الأمر من الكتمان والسرية ..فقد كان يمتلك مخبزا صغيرا،وكنتُ أساعده متى داهمني الفراغ وبعد إنهاء واجباتي الجامعية،إلا أنه في الأيام الأخيرة وقبل الاعتقال شعر باجتهادي في المساعدة..لم يستاء أبدا بل سُرّ بي جدا،فالتفوق كان حليفي دائما في الجامعة والعمل..شُغل باله لكثرة المكالمات التي تصلني،فكان كثير السؤال والإلحاح: _ من المتصِل ؟ هاتفكِ لا يتوقف _نعم..الطلبات على الخبز كثيرة هذه الأيام _(مسرورا) بارك الرحمن في خُبزنا ومخبزنا _سأوصل كمية من الخبز الطري إلى بيت أحد الزملاء..لا يستطيع المجيء إلى هنا لديه امتحان _لكنه غير مخبوز _لا تقلق أخي..طلبُه أن يكون معجّنا فقط..سنتحاسب فيما بعد خالد ببساطته وطيب قلبه الكبير لم يكن يعلم أن لي عالَما خاصا انفرد فيه كلما ثارت فيني الذكريات.. إمام مسجدنا وابنه مُثّل بجثتيهما.. ابن عمي جاءوا بأشلائه فبكت أمه عليه حتى ابيّضت عيناها إيمان حُكم عليها 10 سنوات

وعلى معزوفة الذكريات وجدتُ نفسي أمام بيت زميلي في الجامعة.. _تفضلي أختي..شكرا لكِ،خذي هذه وضعيها في المعجّنات حسب ما قلتُ لكِ ثم توكلي على الله أخذتُ منه مجموعة من الرصاص ،وخبّأتُ كل 4 رصاصات في عجينة ثم كوّرتُها وأسرعتُ في المشي إلى مقبرة القرية حيث ينتظرني (طارق) وأعطيتُه الصفحة بما فيها من الرصاص المعجّن بالطحين. رجعتُ إلى البيت الساعة الثامنة ليلا ولذة النصر تغمرني،ولم أصحُ إلا على خبرٍ مفادُه " مقتل 3 مستوطنين في هجومٍ مسلّح هذا الصباح وجرح 2 أحدهما في حالة حرجة" ما أجمل أن نحتسي من عرَق أيدينا نشوة الانتصار !..سمعها أخي وأنا أتفوّه بهذه الجملة بكل فخر وكأني وفاء أو دارين..أشخاص سجنتُهم في قلبي وها أنذا أرفع صوتي بأسمائهم حين زوّدني طارق بقنبلة..فوضعتُها في كيس (شيبس) وأحكمتُ إغلاقه،ثم أسرعتُ إلى محل (سوبرماركت) يتزاحم فيه اليهود..وضعتُه في رفه المخصص وخرجتُ..وبعد ساعات صحوتُ على أمنية أخرى "لحوق أضرارٍ بالغة بمحل (سوبرماركت) ووقوع عدة إصابات متفاوتة".

الساعة الآن الثامنة والنصف صباحا.. صباح أشرقت شمسه في نفسي بكل نشاط..كأنني أراه يبتسم لي وهو في السماء راضٍ عني..أبي رامي.. فليسامحني الله إن لم أتقن حمل ثأرك في قلبي.. فجأة انتاب فرحي التوتر والقلق على زميلي الذي ساعدني في المهمة،فقد اعتقل قبل قليل..حاولتُ أن أقذف بالخوف جانبا لأواصل المسير لكن ما إن وصلتُ إلى بوابة الجامعة حتى وجدتُ الجنود يسحبونني وذاك يقيّد يدي وهذا يعصب عينيَّ..بعد ساعات وصلنا إلى غرفة التحقيق والأسئلة بدأت تنهل علي وبكل مراوغة وقسوة..عُذّبتُ بدنيا ونفسيا لمدة 53 يوما..كان أحدهم يأتيني إلى الزنزانة ليلا فيقول لي: صباح الخير ويقدّم طعام الإفطار..وفي الصباح يقول لي:مساء الخير،لِمَ لا تنامين ؟! حتى جدران الزنزانة..صداها المنبعث بعد كل صرخة سجّان أو سبٌّ للآلهة كادت أن تحطمني،حتى نقلتُ إلى هذا المعتقل الذي يعج بالأخوات الطاهرات. وجودي هنا ولّد مقاومتي،فاستنهضت كل ذكرياتي بعد سِنَةٍ على أطلال أمنياتي..وها أنذا أصحو اليوم مرة أخرى على صوت صديقتي التي اعتُقلت حديثا حين قالت: "يقول طارق..إن وراء هذه القضبان قلوبا محنّطة بالإيمان وحب الجهاد والوطن،من حاول التقرّب منها بسوء أعدمتُه بأفعالها وبطولاتها،ومن هذه القلوب..قلب أمــاني المحنّط".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قصة أماني والقلوب المحنّطة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات التربية و التعليم الاعدادي. :: منتدى القصة و الشعر .-
انتقل الى: